ايها الولد 1

لابدّ للسالك المتلقي من أن تكون له مكاتبات مع شيخه من خلال رسائل بينهما إنما هي وصايا أو توجيهات غالباً ما يبدؤها التلميذ أو المريد وقد يبادر الشيخ إلى ذلك فيسأل تلميذه سؤال الحكيم ليلفت انتباهه إلى أمر معيّن أو إلى حكمة يريد تزويده بها..

تلميذ الغزالي رحمه الله طلب من شيخه خلاصة لما تلقاه عن شيخه من علوم فكانت هذه الوصايا الثمينة التي جمعها الإمام الغزالي رحمه الله في هذا الكتيّب الصغير ليرشد تلميذه إلى نوع العلوم الذي ينفعه ويؤنسه في قبره ويكون زاداً له لآخرته..

وقد حثه فيها على التعمق في طلب العلم والعمل به على وجه الإخلاص إذ العلم بلا عمل جنون والعمل بغير علم لا يكون..

يلفت نظرنا في هذه النصائح صفتان:

§

صفة النسبة: فقد نسب تلميذه إلى نفسه وهذا دلالة على قبول الطلب وإرشاده إلى سريان المدد إلى كل مستمع أو قارئ كما أنه إشارة إلى الشفقة والمحبة التي يبدؤك بها الغزالي حين يخاطبك كولده.. فهو إطلاقاً يريد لك الخير ويدرأ عنك كل ما يريبك ويسيء إليك لكنه لا يخلو أحياناً من شدة المعلم الحازم أو الأب المنضبط الصارم الذي يقطب جبينه ويعبس لكن قلبه يقطر رحمة.

§

صفة المحبة والتعظيم للشيخ الذي تتلقى عنه والطاعة المطلقة لما يطلب منك فعله.. لأنه لا يريد لك إلا الخير ولا يسألك على صنيعه أجراً ((إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا)). ذلك مثل الصحابة رضوان الله عليهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حبّ يتغلغل في حنايا القلب وامتثال متين لأوامره وتوجيهاته الصادرة عنه لفظاً أو إشارة أو حتى حركة وجه.. فيفعلون أو يمتنعون وفقاً لتلك الإشارات الذكية الصادرة عنه صلى الله عليه وعلى آله. ونحن يجب أن نحب الإمام الغزالي مع أننا لم نره ولم نجالسه.. بل قرأنا ما كتب وسمعنا شيوخنا يثنون عليه.. ويحمدون خصاله.. من ذلك أحببناه وإن لم نره.. اللهم وإنا نحتسب لديك هذا الحبّ فيك لأنه أحسن إلى الأمة ودافع عن العقيدة وكبت أعداءها.

وقد يقول قائل: إن الإنسان تكفيه النصيحة والمشورة من كتاب الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فنجيبه إن نصيحة القرآن والسنة أشبه بصيدلية ملئت بأنواع الأدوية.. أنت تحتاج إلى صيدلي بارع يصف لك الدواء المناسب والجرعة اللازمة والمدّة اللازمة.. وقد رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يختار من تلك الصيدلية ما يناسب كل فرد.. فكثير من الصحابة سألوا عن أفضل الأعمال أو أحب الأعمال إلى الله عز وجلّ فقال لأحدهم: الصلاة على وقتها وقال لآخر: لا تغضب وقال لثالث: برّ الوالدين ونصح فلاناً بالصوم وشجع فلاناً على قيام الليل وعلم فلاناً ما يقول إذا أراد القيام بعمل..

أخذ صلى الله عليه وسلم من صيدلية الوحي ما يناسب كل مريض.. وورث ذلك العلم لعلماء الأمة.. فلابدّ من الأخذ برأيهم وطلب المشورة منهم والنصح..

وإذا لم تصلك نصيحة من كلام الله أو من كلام رسوله.. فذلك دعوة لك لأن تتعلم وتعمل بما تتعلمه.. ودعوة لك لأن تتواضع فلا تتردد في قولك: (لست أدري) إني سألك سائل عن شيء خفي عليك.. ولك في رسول الله أسوةٌ عندما سأله الأعرابي: متى الساعة؟ فأجابه صلى الله عليه وسلم قائلاً: ما المسؤول بأعلم من السائل.. وهذا توجيه آخر للإنسان المسلم عالماً كان أم من العوام.

وإن استنصحك إنسان فأشر عليه بما جاء في كلام الله تعالى أو في أحاديث المصطفى صلوات الله عليه وعلى آله. واعلم أن علامة إعراض الله عنك هو في إعراضك عنه.. فالإعراض من الله تعالى مترتب على الإعراض من العبد (إنّ الله لا يملّ حتى تملوا).. تخلف منافقون عن غزوة الخندق وانسحبوا من الجيش المسلم مدّعين أن بيوتهم عورة.. كذبهم الله تعالى بقوله: ((وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ)) لكنهم كانوا فرحين لأنهم تخلفوا فكشف الله أمرهم وكره انبعاثهم فثبطهم لأنهم طووا كراهية واستعلاءً على المؤمنين.

واعلم أيضاً العمر واحدة من ساعات ثلاث:

·

ساعة تمضيها في طاعة الله بجميع أنواعها.. يفرح بها المؤمن والمقرّب من الله تعالى يود لو عمل أكثر..

·

ساعة تمضي في معصية يندم عليها المؤمن والمقرّب لا يقترب منها أبداً ونتيجتها حساب أو عتاب أو عقاب أو عفو.

·

ساعة انقضت في مباح هي يوم القيامة حسرات لأنها لم تستغلّ كما يجب يتمنى العبد لو حضر مجلس علم والإنسان يستطيع أن يخفف من تلك الحسرات بتنظيم الوقت ومحاسبة النفس.. وإذا لم تستطع أن تحاسب نفسك فاتخذ لك صديقاً ينصحك وتسمع منه وتستجيب له.. أو يتعاون الزوجان على هذا الأمر.. فتستحيل حياتها رغداً ونعيماً مقيماً.